عبد الله الفاسي الفهري
44
الإعلام بمن غبر من أهل القرن الحادي عشر
هنالك ، شهير البركة ، وهو يحضه على الاستمساك بدعوة الأمير المنصور ، وأن يلزم الانقياد إليه ، فوقع ذلك الكتاب بيد المنصور فصادف له عنده يدا سابقة ، ببركة إذن الشيخ أبي المحاسن ودلالته على القدوم عليه . ولم يزل أبناء وقته ممن دونه ، يحتالون في تخليته ، لكونه كان من طبقة سابقة عنهم فظنوها انقرضت لخموله بينهم ، فإذا هو ظاهر منها ، فسعوا مرة في تأخيره عند السلطان أبي عبد اللّه محمد الشيخ المأمون ، وكان أبوه غائبا بمراكش ، فشاور أيضا تلميذه الشيخ أبا محمد في الكتابة إلى المنصور بذلك ، فقال له : يا سيدي هلا فعلت ما فعل شيخك سيدي أبو شامة ، وكان أهل وقته لما علموا زهده وفراره من أمور الدنيا ، سعوا في تأخيره ، فاجتمع منهم أعيان وتقدموا إلى السلطان في صورة الشفعاء ، وقالوا له : إن سيدي أبا شامة يطلب منك الإقالة لوجه اللّه تعالى ، فقال السلطان : أما نحن فلا نبغي به بدلا ، ولكن حيث رغب في ذلك فله الاختيار ، فولوا بعزله ، فما بحث قط عن ذلك ولا عاد إليه . فقال الشيخ القصار عند ذلك : لا يا سيدي ، واللّه لا أسكت ، فإني لست مثله ، يعني لما تقدم مما وجهنا به رغبته في ذلك ، فكتب إلى السلطان ، فبعث السلطان ينقض ما فعلوا ، وكتب في التوقيع أسفله بخط يده : اعلم ولدي أن الشيخ القصار يمت عندنا بموات لا يمت بها غيره ، وإنا لا نبدله بمن هو مثله فضلا عمن هو دونه ، فافطموا عنه أطماع ابن عمران وغيره . انتهى . وديانة الشيخ القصار وفضيلته في العلم والعمل مما لا يحصى ، ومما يحكى شائعا ، أنه لما طالبه السلطان زيدان ، بعد موت أبيه المنصور ، في اللقاء ، فأزمع سائرا لمراكش ، وطلب من اللّه أن لا يلقاه ولما خرج من فاس إلى مراكش كان به مرض مات به في الطريق فحمل إلى مراكش ، فرأى رجل بمراكش في النوم ، كأن قبرا بإزاء باب روضة سيدي أبي العباس السبتي - نفعنا اللّه به - فقيل : لمن هذا ؟ فقيل : لرجل صالح ، فمن الغد أصبح الرائي يبحث عن ذلك الموضع فوجده يحفر فيه لأحد ممن وسم « 1 » بالظلم ، ثم إنه أتى به فقيس فيه فلم يسعه ، وتبدل به
--> ( 1 ) في المخطوط « قسم » ولا يستقيم المعنى بهذا اللفظ والتصحيح من ابتهاج القلوب ، 126 .